مقدمة: سوق الكربون.. لعبة جديدة بقواعد ضريبية معقدة

صباح الخير، أنا الأستاذ ليو. بعد أكثر من عقد من العمل مع شركات أجنبية في مجال الضرائب والمحاسبة، أعتقد أنني رأيت كل شيء. من تحويل الأرباح إلى تسعير التحويل، ظننت أن لا شيء يمكن أن يفاجئني. لكن في السنوات القليلة الماضية، بدأ عملاؤنا، خاصة أولئك في قطاعات الطاقة والصناعات الثقيلة، يسألون بشكل متكرر عن شيء جديد: "كيف نتعامل مع انبعاثات الكربون من الناحية الضريبية والمحاسبية؟" هذا السؤال قادني إلى التعمق في عالم "سوق تداول الكربون" في الصين، واكتشفت أنه أشبه بلعبة شطرنج ضخمة، القواعد المالية والضريبية فيها لا تقل تعقيداً عن أي نظام ضريبي تقليدي، بل وأكثر غموضاً في بعض الأحيان. الصين، كأكبر باعث للكربون في العالم، أطلقت سوقها الوطني لتداول انبعاثات الكربون في عام 2021، وهو أكبر سوق من نوعه على مستوى العالم من حيث حجم الانبعاثات المغطاة. لكن وراء هذا الإنجاز البيئي الضخم، تقبع شبكة معقدة من الترتيبات المالية والقانونية، والضرائب هي قلب هذه الشبكة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بدفع غرامة على تجاوز الحد المسموح، بل أصبح استراتيجية شاملة تمس التكاليف، والتخطيط المالي، وحتى النمو المستقبلي للشركة. دعونا نغوص معاً في هذا العالم الجديد، من خلال عدسة محاسب ضريبي مخضرم.

طبيعة العائدات الضريبية

السؤال الأول الذي واجهناه في مكتب "جياشي" كان: عندما تدفع شركة ما غرامة لأنها انبعثت كربوناً أكثر من الحصة المخصصة لها، هل تعتبر هذه الغرامة "نفقة قابلة للخصم ضريبياً"؟ الإجابة، كما هو الحال غالباً في عالم الضرائب، ليست بسيطة. من الناحية النظرية، إذا نظرنا إلى هذه الغرامة كعقوبة على مخالفة قانونية (تجاوز الحد القانوني للانبعاثات)، فإنها لا يمكن أن تكون قابلة للخصم عند حساب ضريبة الدخل للمؤسسات. هذا المبدأ مشابه لغرامات المرور. لكن، ماذا لو نظرنا إليها كـ "تكلفة للحصول على حق الانبعاث" أو كسعر لشراء حصة إضافية في السوق الثانوية؟ هنا يبدأ الغموض. لقد عملت مع إحدى شركات توليد الطاقة، حيث اضطرت لشراء حصص إضافية بسعر مرتفع في السوق لتغطية عجزها. في محاسبتنا الأولية، عالجنا المبلغ كتكلفة تشغيل، ولكن عند المراجعة الضريبية، طلب منا المفتش توثيقاً واضحاً يثبت أن هذه العملية هي "شراء أصل" (الحصة) وليس "دفع غرامة". الفارق دقيق، لكن تأثيره على صافي الربح كبير. يجب على الشركات توثيق كل معاملة في سوق الكربون بدقة، مع الاحتفاظ بكافة العقود وإشعارات التداول والمدفوعات، لتكون قادرة على الدفاع عن معالجتها المحاسبية أمام السلطات الضريبية.

هذا الغموض يتطلب حواراً مستمراً مع السلطات. في إحدى ورش العمل التي نظمتها جمعيتنا المهنية، طرحنا هذا السؤال مباشرة على ممثلي مصلحة الضرائب. كانت إجابتهم تتمحور حول "النية والطبيعة الاقتصادية" للمعاملة. بمعنى آخر، الأمر يعتمد على ظروف كل حالة. هذا يخلق تحدياً إدارياً حقيقياً للشركات، حيث يصبح من الصعب التنبؤ بالتكلفة الضريبية الفعلية لاستراتيجياتها في سوق الكربون. هل ننصح العميل بالمخاطرة وخصم التكلفة، أم نتبنى موقفاً محافظاً؟ غالباً ما ننصح بالخيار المحافظ في البداية، مع بناء حجة قوية قائمة على طبيعة المعاملة كاستثمار في أصول بيئية، استعداداً لحوار محتمل مع الجهة الرقابية.

المعالجة المحاسبية للحصص

تخيل أن الحكومة أعطت شركتك، مجاناً، أصولاً غير ملموسة يمكن بيعها بملايين اليوانات. كيف تسجلها في دفاترك؟ هذا هو التحدي المحاسبي الأكبر لحصص انبعاثات الكربون الممنوحة مجاناً. حالياً، لا يوجد معيار محاسبي صيني واضح ومحدد يحكم هذا النوع من الأصول الفريدة. في ممارستنا، نرى اتجاهين رئيسيين. الأول: معالجتها كـ "أصل غير ملموس" مشابه لترخيص أو براءة اختراع. والثاني، وهو الأكثر تعقيداً، معالجتها كـ "تعهد حكومي" بموجب معايير المحاسبة عن المنح الحكومية. كل معالجة لها تبعات ضريبية مختلفة. إذا عالجتها كأصل غير ملموس، ستقوم بإطفاء (استهلاك) قيمته على مدى عمره الإنتاجي، مما يقلل الربح الخاضع للضريبة سنوياً. أما إذا عالجتها كمنحة حكومية، فقد تعترف بالقيمة كدخل مؤجل، ثم تدرجه في الربح على مراحل، أو قد تخفض مباشرة من قيمة الأصل الذي تم الحصول على المنحة من أجله (مثل معدات التخفيض).

أتذكر حالة لعميل في قطاع الصلب، تلقى حصصاً مجانية كبيرة عند بدء تشغيل سوق الكربون. بعد مناقشات مطولة داخل فريقنا، قررنا في النهاية اقتراح معالجة أولية كأصل غير ملموس، مع إنشاء مذكرة تفصيلية في الملاحظات المرفقة بالقوائم المالية تشرح هذا الخيار وعدم اليقين التنظيمي المحيط به. الشفافية في الإفصاح هي أفضل حماية للشركة في هذه المرحلة الانتقالية التي تفتقر إلى التوجيهات الواضحة. التحدي الإداري هنا هو الحاجة إلى تدريب فريق المالية والمحاسبة داخل الشركة على فهم هذه الأصول الجديدة، وكيفية تتبع قيمتها السوقية المتقلبة، وإعادة تقييمها دورياً. لقد ساعدنا عملاءنا في بناء أنظمة تتبع داخلية بسيطة تربط بين بيانات مراقبة الانبعاثات الفعلية وحسابات الحصص في السجل الوطني، مما يخلق سجلاً محاسبياً موازياً يمكن الاعتماد عليه.

ضريبة القيمة المضافة على التداول

هذا هو المجال الوحيد نسبياً الذي يتمتع ببعض الوضوح، لكن حتى هنا توجد تفاصيل دقيقة. بشكل عام، تعتبر خدمات الوساطة في سوق تداول الكربون (العمولات التي تتقاضها منصات التداول) خاضعة لضريبة القيمة المضافة بنسبة 6% كخدمة. أما بالنسبة لتجارة الحصص نفسها، فإن معاملتها تشبه تجارة الأوراق المالية أو حقوق الملكية. وفقاً للوائح الحالية، نقل حقوق ملكية الحصص (البدلات) يعفى من ضريبة القيمة المضافة. هذا يشبه بيع حصة في شركة. لكن، ماذا عن العقود الآجلة أو المشتقات المبنية على حصص الكربون؟ هنا المياه لا تزال عكرة. هل هي سلعة؟ أم أوراق مالية؟ أم شيء آخر؟

في تجربة عملية، قام أحد عملائنا، وهو صندوق استثماري، بالتداول النشط في الحصص. قمنا بفصل محاسبتنا بوضوح: العمولات المدفوعة لمنصة التداول خاضعة للضريبة ويمكننا المطالبة بخصم ضريبة المدخلات؛ بينما أرباح وخسائر بيع وشراء الحصص نفسها تدخل في حساب ضريبة دخل المؤسسات، ولا علاقة لها بضريبة القيمة المضافة. المفتاح هو الفصل الواضح في الفواتير والسجلات بين "ثمن السلعة" (الحصة) و"أجر الخدمة" (الوساطة). التحدي الذي نواجهه مع الشركات الصناعية هو أن قسم المشتريات أو قسم الإنتاج غالباً ما يكون مسؤولاً عن شراء الحصص، وقد لا يكون على دراية بهذه التفاصيل الضريبية، مما يؤدي إلى أخطاء في طلب الفواتير أو تسجيل المعاملات. نقوم غالباً بعقد جلسات توعية قصيرة مع هذه الأقسام، نشرح فيها ببساطة: "عندما تشترون حصة، احرصوا على أن تأتي الفاتورة من البائع مباشرةً وتحدد أنها لبيع حصة انبعاثات، وليس فاتورة خدمات."

التخطيط الضريبي الاستباقي

هنا حيث تتحول الضريبة من عبء إلى أداة إستراتيجية. الشركات الذكية لا تنتظر حتى نهاية الفترة المحاسبية لترى إذا كانت ستتجاوز الحد المسموح وتدفع غرامة. بل تبدأ في التخطيط الضريبي والمحاسبي لسوق الكربون كجزء من تخطيطها التشغيلي السنوي. على سبيل المثال، يمكن للشركة التي تتوقع تحسيناً في كفاءة الطاقة خلال العام، أن تخطط مسبقاً لبيع فائض الحصص المتوقع. كيف ستسجل إيرادات هذا البيع؟ هل كدخل عادي؟ أم كدخل عرضي؟ التخطيط المسبق يسمح لها ببناء الحجج المحاسبية المناسبة وتجميع المستندات الداعمة (مثل تقارير تدقيق الطاقة التي تثبت التحسن).

ترتيبات الضرائب في سوق تداول الكربون في الصين

عملنا مع مصنع أسمنت يوضح هذا جيداً. قام المصنع باستثمار كبير في نظام جديد لالتقاط الحرارة المهدورة. بدلاً من النظر إليه كتكلفة فقط، ساعدناهم على نمذجة التأثير المزدوج: تخفيض استهلاك الوقود (تخفيض تكاليف تشغيل قابلة للخصم ضريباً) + توليد فائض في حصص الكربون (مصدر دخل محتمل). دمج تكاليف الامتثال الكربوني مع التخطيط الضريبي للاستثمارات الرأسمالية يمكن أن يحسن بشكل كبير من الجدوى المالية للمشاريع الخضراء. التحدي هو أن هذا النوع من التخطيط يتطلب تعاوناً وثيقاً بين أقسام البيئة والهندسة والمالية في الشركة، وهو أمر غير معتاد في العديد الهياكل التنظيمية التقليدية. دورنا كمستشارين خارجيين هو غالباً لعب دور الجسر والتسهيل بين هذه الأقسام.

التقارير والإفصاح

في عالم اليوم، لم تعد التقارير المالية وحدها كافية. يطالب المستثمرون والدائنون وحتى العملاء بشكل متزايد بالإفصاح عن الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمي (ESG). أداء الشركة في سوق الكربون أصبح مؤشراً رئيسياً ضمن هذا الإطار. كيف تترجم المعاملات الضريبية والمحاسبية المعقدة التي ناقشناها إلى لغة واضحة في تقرير الاستدامة أو قسم الإفصاح غير المالي؟ هذا ليس مجرد مسألة امتثال، بل مسألة سمعة وقدرة على جذب الاستثمار. نحن ننصح عملاءنا بالإفصاح عن: 1) إجمالي الحصص المخصصة والمكتسبة، 2) الانبعاثات الفعلية، 3) نتيجة الامتثال (فائض أو عجز)، 4) التكلفة أو الإيراد المالي المرتبط بتداول الحصص، 5) وصف لسياساتها المحاسبية والضريبية تجاه هذه العناصر. الإفصاح الشفاف والواضح عن مخاطر الكربون وفرصه يقلل من مخاطر السمعة ويبني ثقة أكبر مع أصحاب المصلحة.

تحدي الإدارة هنا هو تجنب "الغسل الأخضر". يجب أن تكون الأرقام المعلنة متسقة تماماً مع السجلات المحاسبية والضريبية الرسمية. لقد رأينا حالات حيث حاولت شركة التباهي بتخفيض انبعاثاتها في تقرير الاستدامة، بينما أظهرت سجلاتها الضريبية مدفوعات كبيرة لشراء حصص لتغطية العجز. مثل هذا التناقض يمكن أن يكون كارثياً إذا اكتشف. لذلك، نقوم غالباً بمراجعة تقارير الاستدامة للعملاء للتأكد من اتساقها مع البيانات المالية، مما يوفر طبقة حماية إضافية لهم.

الخلاصة والتطلع للمستقبل

بعد هذه الجولة في دهاليز الترتيبات الضريبية لسوق الكربون، يتبين لنا أن الصين تبني هذا النظام العملاق خطوة بخطوة. نحن لسنا أمام نظام ضريبي مكتمل ومستقر، بل أمام مشهد ديناميكي وسريع التطور. الغموض الحالي هو تحدٍ، ولكنه أيضاً فرصة للشركات والمستشارين للمساهمة في تشكيل السياسات والممارسات المستقبلية من خلال الحوار مع الجهات التنظيمية. من وجهة نظري الشخصية، أتوقع عدة تطورات: أولاً، إصدار معيار محاسبي صيني خاص بأصول الكربون خلال السنوات القليلة المقبلة. ثانياً، توحيد الممارسات الضريبية بين المقاطعات المختلفة، حيث لا تزال هناك اختلافات في التفسير والتطبيق. ثالثاً، وأهم ربما، اندماج أعمق بين سوق الكربون والأدوات المالية الخضراء الأخرى، مثل السندات الخضراء، مما سيتطلب إطاراً ضريبياً شاملاً.

للشركات العاملة في الصين، نصيحتي هي: لا تعامل امتثال الكربون كمسألة بيئية فحسب، ولا تعامل آثاره الضريبية كتفصيلة محاسبية لاحقة. انظروا إليه كعامل إستراتيجي يمس صميم عملكم وتكلفتكم وقدرتكم التنافسية. ابدأوا بالحوار بين أقسامكم، وابنوا سجلات دقيقة، واطلبوا المشورة المتخصصة مبكراً. الرحلة نحو اقتصاد منخفض الكربون ليست رحلة بيئية فقط، إنها رحلة مالية وضريبية بالدرجة الأولى.

رؤية مجموعة جياشي للضرائب والمحاسبة

في مجموعة جياشي، نرى أن سوق تداول الكربون في الصين ليس مجرد أداة سياسية بيئية، بل هو نواة لتشكيل نظام مالي وضريبي جديد للقرن الحادي والعشرين. انطلاقاً من خبرتنا الممتدة في خدمة الشركات متعددة الجنسيات، نعتقد أن التحديات الضريبية والمحاسبية الحالية هي مرحلة نمو طبيعية لأي سوق ناشئ ضخم. مهمتنا هي مساعدة عملائنا على عبور هذه المرحلة الانتقالية بثبات، من خلال: 1) **المراقبة الاستباقية للسياسات**: نتابع عن كثب أدنى التغييرات في التفسيرات الضريبية المحلية والإرشادات المحاسبية الصادرة عن وزارة المالية وهيئة الأوراق المالية. 2) **الحلول المتكاملة**: لا نعالج قضية الضريبة بمعزل عن غيرها، بل نربطها باستراتيجية الامتثال البيئي للشركة، وتخطيطها الاستثماري، وإفصاحها أمام المستثمرين. 3) **الحوار البناء**: نستخدم قنواتنا المهنية للجمع بين أصحاب الأعمال والجهات التنظيمية، لنقل التحديات العملية على الأرض والمساهمة في صياغة سياسات أكثر وضوحاً وعملية. نرى المستقبل حيث تصبح "المحاسبة الكربونية" تخصصاً فرعياً معترفاً به، وتتحول الحصص من التزام إلى أصل إستراتيجي مدرج في الميزانية العمومية. هدفنا هو أن نكون الشريك الموثوق الذي يرافق عملاءنا في هذه الرحلة التحويلية، حاصدين ليس فقط الامتثال، بل والفرص التنافسية الجديدة التي يخلقها اقتصاد الكربون المنظم