# بناء ثقافة النزاهة للشركات الأجنبية في شانغهاي

يا جماعة، الواحد لما بيشتغل مع الشركات الأجنبية في شانغهاي لمدة طويلة زيي - 14 سنة في المجال - بيشوف حاجات كتير. أهم حاجة بتلاحظها إن النجاح هنا مش بس متعلق بالسوق أو التكنولوجيا، لكن بأمر أساسي ممكن نسميه "ثقافة النزاهة". إيه يعني ثقافة النزاهة؟ ببساطة، هي مجموعة المبادئ والقواعد اللي بتخلي الشركة تتصرف بطريقة أخلاقية وشريفة في كل تعاملاتها، سواء مع الحكومة أو الموظفين أو العملاء أو حتى المنافسين. في شانغهاي، اللي هي بوابة الصين الاقتصادية والعالمية، الموضوع ده بيبقى تحدي حقيقي لأنك بتتعامل مع أنظمة وقوانين وثقافات مختلفة. في المقالة دي، هحاول أشارككم خبرتي الطويلة في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، وهقولكم ليه بناء ثقافة النزاهة مش رفاهية، لكنه استثمار استراتيجي بيحمي الشركة وبيضمن استمراريتها في السوق الصيني المعقد والمتغير.

فهم البيئة المحلية

أول حاجة لازم نفهمها إن شانغهاي مش زي أي مدينة في العالم. فيها مزيج فريد من السرعة والابتكار والتنظيم. الحكومة المحلية هنا متقدمة جداً في الإجراءات الإلكترونية والتسهيلات، لكن في نفس الوقت، عندها توقعات عالية جداً من ناحية الالتزام بالقوانين واللوائح. أنا شفت شركات أجنبية كتير دخلت السوق وهي فاكرة إنها هتعمل زي ما كانت تعمل في بلدها، وفجأة تلاقي نفسها في مشاكل كبيرة. مرة من المرات، شركة أوروبية متخصصة في التكنولوجيا جاية تفتح فرع في شانغهاي، وكان عندها سياسة "مرنة" في التعامل مع الفواتير والضرائب. الممارسة دي ممكن كانت مقبولة في بلدها، لكن هنا في الصين، وخصوصاً في شانغهاي، السلطات الضريبية عندها أنظمة رقابة متطورة جداً. خلال أقل من سنة، الشركة واجهت تحقيق مفاجئ وغرامات كبيرة، وسمعتها اتأثرت بشكل خطير. التجربة دي علمتني إن الفهم العميق للبيئة التنظيمية المحلية هو الخطوة الأولى والأهم في بناء أي ثقافة نزاهة. مش بس تقرأ القوانين، لكن تفهم "روح" القانون وكيفية تطبيقه عملياً. ده بيحتاج استشارة من خبراء محليين، ومتابعة مستمرة للتحديثات، وتدريب للموظفين الأجانب على الثقافة الإدارية في شانغهاي، اللي بتكون دقيقة جداً في التفاصيل.

كمان، في شانغهاي في مفهوم اسمه "العلاقة السليمة" أو "Guanxi" بالصيني. لكن خلي بالك، العلاقة السليمة هنا مش بالمفهوم السلبي اللي يتخيله البعض. العلاقة السليمة في سياق النزاهة معناه بناء شبكة من الثقة والاحترام المتبادل مع الجهات الحكومية والشركاء المحليين، على أساس الشفافية والالتزام. يعني إيه؟ يعني إنك لما تروح لمكتب الضرائب أو التجارة، تكون وثائقك كاملة وصحيحة من أول مرة، وتكون صريح في إجاباتك. ده بيبني سمعة إيجابية للشركة على المدى الطويل، وبيخلي التعامل أسهل. العكس صحيح، الشركات اللي بتتلاعب أو بتخفي معلومات، حتى لو قضيتها على المدى القصير، هتخسر ثقة الجهات التنظيمية، والثقة دي صعبة جداً إنها ترجع. فخلينا نتذكر: البيئة المحلية في شانغهاي متطورة وتقدّر الالتزام، وبناء النزاهة بيبدأ من احترام ده وإدراكه كجزء من استراتيجية العمل، مش مجرد عبء تنظيمي.

التدريب المستمر

النقطة التانية اللي حابب أتكلم عنها، واللي شفت أثرها العملي من خلال عشرات الشركات اللي اتعاملت معاها، هي موضوع التدريب. كثير من المدراء الأجانب بيفكروا إنهم هيجيبوا سياسة نزاهة جاهزة من المقر الرئيسي، ويطبعوها ويوزعوها على الموظفين، ويبقى الموضوع انتهى. للأسف، ده أسلوب مش فعال خالص، خصوصاً في سياق ثقافي مختلف زي الصين. التدريب على النزاهة لازم يكون مستمر، ومكيف حسب البيئة المحلية، وعملي. يعني إيه عملي؟ يعني مش محاضرات نظرية مملة، لكن أمثلة واقعية من السوق الصيني. في شركة جياشي، بننظم ورش عمل للموظفين المحليين والأجانب في الشركات الأجنبية، بنقدم فيها سيناريوهات حقيقية: مثلاً، إذا جاءك مورد محلي وعرض عليك "عمولة" لتسهيل التعاقد، إزاي ترد بطريقة تحافظ على مبدأ الشركة وفي نفس الوقت ما تخسرش العلاقة التجارية؟ أو إذا لاحظت زميلك بيخالف سياسة الشركة عشان "يختصر طريق"، إزاي تتصرف؟

التجربة علمتني إن التدريب الفعال بيحتاج يتناول التفاصيل الدقيقة. مثلاً، في الصين، في مناسبات كتير بيتبادل فيها الشركاء التجاريون هدايا رمزية. السؤال: إيه الهدية المقبولة ضمن سياسة النزاهة، وإيه اللي يعتبر رشوة؟ ده سؤال عملي جداً، وإجابته مش واحدة لكل الشركات. لازم كل شركة تحدد سياستها بوضوح، وتدرب موظفيها عليها، وتكون مستعدة إنها تشرح المبدأ ده للأطراف المحلية بطريقة محترمة. غير كده، التدريب لازم يكون شامل لكل المستويات، من الإدارة العليا لحد الموظف الجديد. لأن الثقافة بتتشر من فوق لتحت. إذا المدير العام نفسه بيظهر التزام شخصي عالي بالنزاهة، الموظفين هيقتدوا بيه. أما إذا كانت السياسة حبر على ورق، والمدراء نفسهم بيتجاوزوها "عشان المصلحة"، فمهما عملت تدريبات، هتكون بدون فائدة. فخلينا نعتبر التدريب استثمار في رأس المال البشري، بيحمي الشركة من مخاطر مالية وقانونية أكبر بكثير.

الأنظمة الداخلية

طيب، بعد ما فهمنا البيئة ودربنا الناس، نيجي للهيكل اللي بيحط الثقافة دي قيد التنفيذ: الأنظمة الداخلية. هنا بقى بيتفرق المحترف عن الهواة. وجود أنظمة رقابية وإجراءات واضحة للمراجعة هو عِماد ثقافة النزاهة. في شانغهاي، بسبب تعقيد العمليات وسرعتها، كثير من الشركات بتتجاهل بناء أنظمة قوية عشان "توفّر وقت"، لكن دي مغامرة خطيرة. أنا عندي حالة ما أنساهاش: شركة أمريكية في مجال التصنيع، كانت نيتها كويسة وعندها سياسة نزاهة، لكن الأنظمة الداخلية كانت ضعيفة. القسم المالي كان مديره الصيني قوي وبيتحكم في كل حاجة، ومع الوقت، بدأ يعمل "تعديلات" صغيرة في التقارير المالية عشان يظهر أداء أفضل للشركة الأم. لأن مفيش فصل واضح للصلاحيات ولا مراجعة دورية مستقلة، الانحراف ده استمر سنتين، لغاية ما اكتشفوه بالصدفة. النتيجة كانت كارثية: غرامات ضخمة، وفقدان ثقة المستثمرين، واستقالة نصف فريق الإدارة. لو كانت الشركة استثمرت في نظام مراجعة داخلية قوي، ومنفصل عن الإدارة التنفيذية، ومنذ البداية، كانت هتتجنب الكارثة دي.

إزاي نبني النظام ده؟ أولاً، فصل الصلاحيات مهم جداً. ماينفعش شخص واحد يتحكم في العملية من أولها لأخرها، خاصة في العمليات الحساسة زي المشتريات أو التوظيف أو تقديم التقارير الحكومية. ثانياً، الشفافية في التوثيق. كل خطوة لازم تكون موثقة ورقمياً، بحيث إن أي معاملة ممكن ترجع وتتتبع من البداية للنهاية. ده مش بس بيحمي من الأخطاء، لكنه كمان بيخلق بيئة صعبة لأي محاولة تلاعب. تالتاً، تطبيق التكنولوجيا. دلوقتي في برامج إدارة متكاملة (ERP) متطورة جداً، بتساعد في أتمتة العمليات ووضع ضوابط تلقائية. مثلاً، النظام ممكن يمنع اعتماد فاتورة مش مطابقة للعقد تلقائياً. رابعاً، تأسيس قناة للإبلاغ عن المخالفات (Whistleblowing Channel) تكون سرية وآمنة. الموظف اللي بيشك في تصرف غير أخلاقي لازم يكون عنده طريقة يبلغ بيها من غير ما يخاف من انتقام. الأنظمة دي كلها بتقول إن النزاهة مش شعار، لكنها ممارسة يومية محمية بهيكل مؤسسي قوي.

القيادة بالقدوة

وهنا بنوصل لنقطة حاسمة، وهي دور القيادة. من واقع خبرتي، ثقافة النزاهة بتموت أو بتعيش على حسب موقف الإدارة العليا. يعني إيه؟ يعني إن المدير العام والمديرين التنفيذيين لازم يكونوا هم أول الملتزمين، وأشد الناس تطبيقاً للقواعد. إذا المدير طلب من الموظف إنه "يعدّل" تقرير عشان يرضي الشركة الأم، أو إذا هو نفسه قبل هدية قيمة من مورد بشكل غير رسمي، فكل السياسات والتدريبات هتتدمر في لحظة. الصيني بيقول: "السمك يفسد من الرأس". الموظفين المحليين والأجانب بيلاحظوا تصرفات القادة بدقة، وإذا شافوا تناقض بين الكلام والفعل، هيبدأوا يستخفوا بسياسة النزاهة ويعتبروها مجرد "ورق للتجميل".

عندي مثال إيجابي من شركة ألمانية اشتغلت معاها. المدير العام للفرع الصيني كان رجل مبدأوي جداً. في مرة، كان في مفاوضات مع عميل محلي كبير، والعميل طلب "تسهيلات" غير قانونية في العقد مقابل عمولة سرية. الرجل رفض باحترام، وشرح مبدأ الشركة بوضوح، حتى لو كان ده معناه احتمال فقدان الصفقة. القصة دي انتشرت بين الموظفين، وأصبحت مثال يُضرب داخل الشركة. النتيجة؟ الموظفين ابتدوا يفتخروا بانتمائهم لشركة "نظيفة"، وثقافة الثقة والالتزام انتشرت. كمان، القيادة النزيهة بتكون واضحة في التواصل. لازم الإدارة تتكلم عن النزاهة باستمرار، في الاجتماعات، في الرسائل الداخلية، وتشكر الموظفين اللي يلتزموا بالمبادئ حتى لو كانت النتيجة المالية على المدى القصير أقل. ده بيخلق "نغمة من الأعلى" (Tone from the Top) قوية وواضحة، بتوجه سلوك الجميع. فخلينا نفتكر: المدراء مش بس مسؤولين عن الأرباح، لكنهم حراس الثقافة المؤسسية. إذا هم استهانوا بدورهم ده، فمش هينفع نظام ولا تدريب.

التكيف مع التغيير

آخر نقطة حابب أذكرها، وهي إن بناء ثقافة النزاهة في شانغهاي مش مشروع له نهاية. القوانين تتغير، السوق يتطور، والمخاطر الجديدة بتظهر باستمرار. الشركة اللي تعتقد إنها خلصت ملف النزاهة وانتهت، بتكون في خطر. الصين، وخصوصاً شانغهاي، عندها وتيرة تغيير سريعة جداً. تشريعات جديدة في حماية البيانات (مثل قانون حماية المعلومات الشخصية)، قواعد أكثر صرامة في مكافحة الاحتكار، توقعات أعلى في مجال الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية. كل ده جزء من بيئة النزاهة الأوسع. الشركة الناجحة هي اللي بتكون عندها آلية مراجعة دورية لسياساتها، وتقيم باستمرار إذا كانت كافية لمواجهة التحديات الجديدة.

مثلاً، من حوالي خمس سنين، موضوع الرشاوى والعمولات كان التركيز الأساسي. دلوقتي، التركيز اتوسع ليشمل قضايا مثل الأمن السيبراني، ومعالجة البيانات الشخصية للموظفين والعملاء، والممارسات العادلة في التسويق الإلكتروني. الشركة اللي ما تتابعش التطورات دي، وتعدل سياساتها بناءً عليها، ممكن تتعرض للمساءلة القانونية حتى لو كانت نيتها حسنة. كمان، التكيف معناه كمان الاستماع للبيئة الداخلية. لازم يكون في قنوات اتصال مفتوحة علشان الموظفين يقترحوا تحسينات على السياسات، أو يبلغوا عن ثغرات جديدة ماكنش في بال الإدارة. النزاهة ثقافة حية، بتنمو وتتطور مع نمو الشركة نفسها. اللي بيقف في مكانه، بيتراجع للوراء في سوق تنافسي وديناميكي زي شانغهاي.

الخاتمة والتأمل

في النهاية، يا سادة، بناء ثقافة النزاهة للشركات الأجنبية في شانغهاي هو رحلة مستمرة، مش وجهة. هي استثمار طويل المدى في السمعة، والاستقرار، والثقة - وهي كلها أصول لا تقدر بثمن في السوق الصيني. من خلال خبرتي الـ12 سنة في جياشي، شفت شركات كثيرة نجحت لأنها جعلت النزاهة جزء من حمضها النووي، وشركات أخرى سقطت لأنها تعاملت مع الموضوع على أنه مجرد "تكتيك" للامتثال الشكلي. الفرق بين الاتنين واضح على المدى الطويل.

بناء ثقافة النزاهة للشركات الأجنبية في شانغهاي

المستقبل في شانغهاي هيشهد تركيز أكبر على الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG)، وده هيخلق فرص جديدة للشركات النزيهة لتتميز. رأيي الشخصي إن الشركات الأجنبية اللي عايزة تزدهر هنا، لازم تتبنى رؤية شاملة: النزاهة مش قسم Compliance لوحده، لكنها مسؤولية كل قسم، وكل فرد. التحدي الأكبر مش في كتابة السياسة، لكن في غرس القناعة في قلوب وعقول الناس، وجعل الممارسة الأخلاقية هي "الطريق المعتاد" لعمل الأشياء. ده بيحتاج صبر، وإصرار، والتزام من القمة. لكن المكافأة - وهي شركة قوية، مرنة، ومحترمة - تستحق كل الجهد.

**رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبة:** في جياشي، بنؤمن إيماناً راسخاً بأن بناء ثقافة النزاهة ليس خدمة استشارية نقدمها للشركات الأجنبية ثم ننصرف، لكنه شراكة مستمرة في الرحلة. خبرتنا التي تمتد لأكثر من عقد في سوق شانغهاي علمتنا أن النجاح الحقيقي يأتي من الجمع بين المعرفة العميقة بالقوانين المحلية المتغيرة، والفهم الدقيق للثقافة التجارية، والالتزام العملي بأعلى معايير الأخلاقيات. نحن لا نرى أنفسنا فقط كمقدمي خدمات ضريبية ومحاسبية، ولكن كحراس للثقة وشركاء في بناء السمعة. نساعد عملائنا على تصميم أنظمة داخلية ليست للامتثال الشكلي فحسب، بل لخلق بيئة عمل حيث تكون النزاهة هي الأساس الذي تبنى عليه كل القرارات، الكبيرة منها والصغيرة. في اقتصاد عالمي معقد، نعتقد أن الشركات التي تضع النزاهة في صلب استراتيجيتها في شانغهاي، هي التي ستبقى وتزدهر، ونحن هنا لندعمها في كل